شكاوى البنزين من الشوائب حتى الخلط بالماء.. ملف كامل عن "حقيقة غش الوقود في مصر"
اشتكى أحد المواطنين في مصر من تعرض سيارته لأعطال متكررة عقب تزويدها ببنزين 92 من إحدى محطات الوقود بطريق الواحات في مدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة.
وأشار المواطن إلى أنه فوجئ، بوجود شوائب ورواسب في الوقود، وهو ما أثار تساؤلات بشأن جودة البنزين وآليات الرقابة على محطات تموين السيارات.
الوقود يخرج من شركات التكرير مطابقًا للمواصفات
أكد المهندس مدحت يوسف خبير الطاقة ونائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن جميع أنواع البنزين والمنتجات البترولية التي تخرج من شركات التكرير ومراكز التوزيع الرئيسية في مصر مطابقة للمواصفات القياسية بنسبة 100%، مشيراً إلى خضوعها لدورة رقابية وفحوصات معملية صارمة قبل ضخها في الأسواق.
وأوضح يوسف، أن منظومة إنتاج وتوزيع البنزين في مصر تتوزع على عدة مراكز رئيسية للتكرير والخلط والتجهيز، من بينها شركات (ميدور، وأميرية التكرير، والسويس لتصنيع البترول، المصرية للتكرير)، حيث يتم ضخ وتداول المنتجات عبر خطوط أنابيب البترول إلى مراكز التوزيع الرئيسية في مسطرد، الإسكندرية، والسويس، وأسيوط.
رقابة وفحوصات على مراحل تداول البنزين
وشدد خبير الطاقة على أن عمليات التداول والتسلم بين شركات التكرير وشركات التوزيع وخزانات شركة الأنابيب تخضع لسحب عينات دورية وتحليلها داخل المعامل الكيماوية المتخصصة للتأكد التام من سلامة المكونات ومطابقتها للمواصفات.
كما أشار إلى أن بنزين 80 المنتج محلياً يتميز بأن رقم الأوكتين الفعلي له يتجاوز دائماً الحد الأدنى للمواصفة القياسية، مما يجعله آمناً ومطابقاً للجودة المقررة، في حين تحظى الأنواع أعلى أوكتيناً (92 و95) برقابة واهتمام خاصين خلال مرحلتي الخلط والتجهيز لضمان الحفاظ على نسبة الأوكتين والخصائص الكيميائية المطلوبة.
الغش في المحطات.. ممارسات فردية خارج منظومة الإنتاج
وأكد نائب رئيس هيئة البترول الأسبق أنه لا يوجد أي دافع أو مصلحة لشركات التكرير أو قطاع البترول في غش الوقود، نظراً لأن العوائد المالية تعود للدولة والقطاع، وبالتالي فإن أي تلاعب يظهر لدى المستهلك لا يمكن أن يكون مصدره منظومة الإنتاج والتكرير.
ولفت إلى أن أي ممارسات تتعلق بالبنزين المغشوش تقتصر على تصرفات فردية داخل بعض محطات التموين والخدمة، داعياً الجهات الرقابية للتعامل بحزم مع أي تجاوزات قد تضر بالسيارات أو حقوق المستهلكين.
الرواسب السوداء لا تثبت غش البنزين
وفيما يخص الصورة المتداولة التي تُظهر ركامًا أسود داخل خزان سيارة، أكد المهندس مدحت يوسف أن هذه الرواسب قد تنتج عن صدأ الخزان أو انفصال الدهانات الداخلية بسبب التقادم، أو استخدام بعض المذيبات المتداولة بدعوى تحسين الاحتراق أو رفع رقم الأوكتين.
وأوضح أن التحقق من مصدر الرواسب يتطلب أخذ عينة من خزان محطة التموين أو من مسدس التعبئة وتحليلها، مشيرًا إلى صعوبة حدوث مثل هذا الركام بسبب البنزين ذاته.
لا نظام لاسترجاع أبخرة البنزين في مصر
وأكد يوسف أنه لا يوجد في مصر ما يسمى بنظام استرجاع أبخرة البنزين في محطات التموين والخدمة، موضحاً أن الأنظمة المعمول بها في دول أوروبا تعتمد على المستودعات الأرضية المغلقة التي يتم فيها تداول البنزين، وهي مستودعات تسمح بتكثيف الأبخرة وإعادتها مرة أخرى إلى بنزين بنفس الجودة، مما يمنع حدوث أي فقد ويحافظ على أرصدة المحطات.
وأوضح أن كافة المستودعات الأرضية المخصصة لبيع البنزين للجمهور في مصر تعتبر مستودعات مفتوحة، مما يجعل البنزين عرضة للتبخر الطبيعي أثناء عمليات التداول.
وأشار إلى أن سرعة معدلات الاستلام وإعادة البيع في المحطات، والتي لا تستغرق عادة أكثر من يوم أو يوم ونصف، تجعل نسبة الفقد وتأثير ذلك على مواصفات البنزين ضعيفة جداً، ولهذا السبب يتم اللجوء إلى هذه المستودعات التي تظل مغلقة من الناحية العملية.
غش البنزين لا يحدث بإضافة المياه
ونفى خبير الطاقة بشكل قاطع وجود أي محطات تقوم بغش البنزين عن طريق خلطه بالماء، موضحاً أن الغش لا يتم بهذه الطريقة على الإطلاق، بل يحدث عبر خلط درجات البنزين المختلفة، مثل خلط بنزين 92 أو 95 بآخر من درجة أقل كبنزين 80.
الإيثانول والرطوبة.. كيف يمكن أن تصل المياه إلى خزان السيارة؟
وأضاف يوسف أن المحطات التي تتمتع بسلامة إنشائية وصيانة دورية لا تحدث بها أي مشكلات في جودة الوقود، مستدركاً أن المشكلة الحقيقية تكمن في بعض الممارسات الخاطئة، مثل قيام بعض محطات التموين المملوكة أو المؤجرة لمتعهدين بتوصية أصحاب السيارات باستخدام الكحول، وتحديداً الإيثانول.
وأوضح أن هذا الكحول قد يكون مغشوشاً بالماء من الأساس، أو أنه يعمل عند إضافته لمحركات البنزين دون خلط محدد على امتصاص الرطوبة الموجودة داخل خزان الوقود، مما يؤدي مع مرور الوقت واستمرار العملية إلى تكون كميات من المياه داخل تانك السيارة، وهو ما ينعكس بشكل سيئ للغاية على أداء المركبة.
وأكد أن وجود المياه في خزان الوقود قد لا يعود بالضرورة إلى غش متعمد البنزين، بل قد ينتج عن عوامل تقنية وفنية.
وأوضح أن تراكم بخار الماء داخل خزانات السيارات يرتبط بشكل مباشر بوجود مادة الإيثانول في الوقود، بالإضافة إلى تقدم عمر الخزانات الأرضية في بعض محطات الوقود، وهو ما يتطلب إجراء عملية صيانة وقائية دورية ونظافة شاملة لهذه الخزانات الأرضية بصفة منتظمة من قبل جميع المحطات.
وأشار خبير الطاقة إلى أنه في حال مواجهة المواطنين لمشكلة الوقود المغشوش أو تدني جودته نتيجة الإهمال في الصيانة، يتم اتخاذ خطوات محددة للتعامل مع الموقف؛ إذ يجب على المواطن تقديم بلاغ رسمي إما لإدارة مباحث التموين أو التواصل مباشرة مع الشركة المالكة للعلامة التجارية للمحطة.
العقوبة والرقابة.. من المسؤول عن محطات الوقود؟
وبيّن أن هذه الشركات تتحمل المسؤولية عن جودة البنزين المباع تحت اسمها تجارياً، وتملك الحق القانوني والرقابي في إجراء تفتيش دوري ومفاجئ على المحطات للتأكد من مطابقة الوقود للمواصفات، بموجب تعهدات ملزمة تقدمها للهيئة المصرية العامة للبترول المسؤولة عن تنظيم وقود السوق المحلي.
أما فيما يتعلق بالدور الحكومي والرقابي، فقد أوضح يوسف أن وزارة البترول ليست جهة رقابية مباشرة على المحطات، بل تقتصر مسؤولية الرقابة والتفتيش على الجهات التموينية والأمنية المختصة. وتتمثل هذه الجهات بشكل أساسي في قطاع مباحث التموين التابع لوزارة الداخلية، إلى جانب الأجهزة والقطاعات الرقابية التابعة لوزارة التموين، والتي تتولى ضبط المخالفات ومتابعة جودة السلع والخدمات البترولية المقدمة للمواطنين.
آليات الرقابة وعقوبات "البنزين المغشوش"
وفي السياق ذاته، كشف أستاذ هندسة البترول والتعدين، في تصريحات خاصة لـ "العين الإخبارية"، الدكتور حسام عرفات، عن المسار القانوني والرقابي المحكم الذي تُخضع له الدولة محطات الوقود لمواجهة وقائع غش البنزين. وأوضح أن المواجهة تبدأ بحملات تفتيشية مكثفة تشارك فيها مباحث التموين بالتنسيق مع وزارة التموين ومفتشي الضبطية القضائية، حيث يتم سحب عينات عشوائية من المواد البترولية وتحليلها معملياً للتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية.
وأشار عرفات إلى أنه في حال أثبتت التحاليل عدم مطابقة العينات للمواصفات، تُتخذ إجراءات فورية بتشميع طلمبات البنزين ومسدسات الشحن الخاصة بالخزان المخالف لمنع التعامل عليه تماماً، ليعقب ذلك سحب كامل الكمية المغشوشة وإعدامها بشكل مباشر تحت إشراف قطاع البترول.
وأوضح أستاذ هندسة البترول والتعدين تصريحاته أن صاحب المحطة المخالف يواجه عقاباً مزدوجاً؛ الأول يتمثل في الخسارة المادية الناجمة عن مصادرة وإعدام الشحنة المضبوطة مهما بلغت كميتها، والثاني هو الملاحقة الجنائية عبر تحرير محضر "غش تجاري" يحيله إلى المحاكمة ليواجه عقوبات رادعة تشمل الحبس الغرامة المالية وفقاً للقانون.


