حريم النار !
إذا لم تكن قد قرأت أو شاهدت مسرحية لوركا "بيت برنادا ألبا" أو تعرف أنها كتبت في ثلاثينيات القرن الماضي في اسبانيا في مواجهة الفاشية التي سيطرت في اسبانيا ووجدت لها أنصارا في أروبا، فلن يساورك الشك في أن النص الذي تشاهده هو نص معاصر يمكنه أن يعبر عن آلية انتاج القهر من خلال تمثل المقهور لمن يقهره و تحوله لنفس النموذج ، فيعيد انتاجه لتستمر الحلقة المفرغة .... ففي #مسرحيةـحريمـالنار التي شاهدتها الليلة الماضية علي مسرح الطليعة بدعوة من الفنانة المتميزة و الصديقة العزيزة #عبيرـلطفي احدى بطلات العرض و الذي تدور احداثه في بيئة صعيدية و بمعالجة تنقل الفكرة إلي أجواء محلية مصرية بامتياز ساهم في تعزيزها استخدام اللهجة الصعيدية الغنية و الاستعانة بفن "العديد" من خلال عدودات من التراث الصعيدي موظفة بشكل جيد بالإضافة للديكور و الرؤية البصرية المتميزة التي تحولت في مشاهد من خلال تكوينات حركة الممثلين إلي لوحات تكثف المشاعر و الأحساسيس التي يحملها النص كلوحة محملة بالإيحاءات و الرسائل ، غاب الرجل فيما حضرت الأفكار الذكورية لثبت أن النساء اللاتي تعرضن لقهر الرجال هن الأقدر على إعادة انتاجه، و أنهن حتى لو توفرت لهن الفرصة من جاه و مال و غياب لذكور العائلة فإنهن يحرسن هذا الميراث و يمارسنه ضد أنفسهن و لا يسمحن بأي بادرة تمرد عليه كمساجين غاب عنهم الحراس فتولوا بأنفسهم احكام الأبواب و ممارسة التعذيب بدلا من الفرار ، و هو نمط توقفت عنده الكثير من الدراسات النفسية بالتحليل. برغم غياب الممثلين الرجال تماما عن خشبة المسرح لكن الحضور الذكوري كان طاغيا من أول العمائم الصعيدية التي اعتلت جذوع النخل التي مثلث سياجا حول الديكور ، و استخدام العدودة ، و تمثل "فتحية شلجم " -المرأة الجبارة التي يدور العرض في بيتها الذي تحكمه بقبضه حديدية و تتحكم فيه في بناتها الخمس و خادمتها المخلصة - تتمثل بكل شخصيات الرجال الذين قهرها و مسخوا روحها لتشبههم فبدت بكل تفاصيلها أقرب لشخصية هذا النوع من الرجال ، ثم في مشهد مميز تمثلت بشخصياتهم واحدا تلو الآخر كما لو كانت تخلع عن روحها أقنعتهم التي ارتدتها في الجزء الأول من النص ليختلف أداؤها بعده و تصبح "أما " وامرأة بشكل أكثر وضوحا في المشاهد اللاحقة
كذلك كان استخدام شخصية "أحمد علي" البطل المغوي الذي غير مسار الأحداث دون يظهر و فجر الصراع في بيت فتحية شلجم و ذكّر بناتها أو قل أسيراتها بأنوثتهن المسفوحة، و الحقيقة أن استخدام هذا الاسم في هذا السياق استدعى فورا إلى ذاكرتي بشكل أظنه مقصودا أغنية يا أحمد علي للأبنودي من فيلم "عرق البلح " في احالة لنفس المشاعر عن الكبت الجنسي و التمرد في مجتمع النساء اللاتي يتفوقن على الرجال في دور السجانات، و أيضا في مصير البطلة التي تجرأت لتعبر عن رغباتها كامرأة.
أما أداء بطلات العرض و القدرة على تصوير الملامح المميزة لكل شخصية و التعبير عنها لتخرج في نهاية العرض متعاطفا مع ضعف كل منهن باعتبارهن ضحايا لمنظومة لم يشتركن في وضع قواعدها فهو من الأمور التي ميزت العرض الذي أدعوكم لمشاهدته في الليالي القليلة المتبقية له
مسرحية " حريم النار "
( من صفحتها )
